تنفذ كثير من المؤسسات مبادرات اجتماعية وبرامج تنموية، وتخصص لها الميزانيات والفرق والشراكات. لكن وجود المبادرات بحد ذاته لا يعني أن المؤسسة تمتلك استراتيجية أثر اجتماعي.
استراتيجية الأثر تبدأ قبل اختيار المبادرات.
فهي تجيب أولاً عن أسئلة أساسية: ما التغيير الذي تريد المؤسسة أن تسهم فيه؟ لمن؟ لماذا هذا التغيير تحديدًا؟ ما الأولويات التي تستحق الاستثمار؟ وما المبادرات والشراكات والقدرات التي يمكن أن تقود فعليًا إلى النتائج المطلوبة؟
بمعنى أبسط، استراتيجية الأثر الاجتماعي هي الإطار الذي ينقل المؤسسة من: «ما المبادرات التي يمكن أن ننفذها؟» إلى: «ما الأثر الذي نريد تحقيقه، وما أفضل طريقة للوصول إليه؟»
ما المقصود باستراتيجية الأثر الاجتماعي؟
استراتيجية الأثر الاجتماعي هي مجموعة من الاختيارات التي تحدد كيف ستستخدم المؤسسة مواردها وقدراتها وشراكاتها لتحقيق نتائج اجتماعية أو مجتمعية واضحة.
وهي لا تقتصر على وضع قائمة بالمبادرات. الاستراتيجية الجيدة توضح عادةً:
- القضايا أو الاحتياجات التي ستركز عليها المؤسسة.
- الفئات أو المجتمعات التي تريد الوصول إليها.
- النتائج التي تسعى إلى تحقيقها.
- العلاقة بين تدخلات المؤسسة والنتائج المتوقعة.
- الأولويات التي ستحصل على الموارد والاهتمام.
- محفظة البرامج والمبادرات المناسبة.
- دور المؤسسة مقارنة بدور الشركاء.
- المسؤوليات والملكية الداخلية.
- المسار الذي يحوّل الاستراتيجية إلى تنفيذ.
والهدف ليس إضافة طبقة جديدة من التخطيط، وإنما اتخاذ قرارات أوضح حول أين يمكن للمؤسسة أن تصنع قيمة اجتماعية حقيقية.
لماذا تحتاج المؤسسة إلى استراتيجية أثر؟
عندما لا توجد استراتيجية واضحة، قد تتكوّن محفظة المبادرات تدريجيًا بناءً على الفرص المتاحة أو الطلبات الداخلية أو المناسبات أو الشراكات الفردية.
قد تكون كل مبادرة جيدة في حد ذاتها، لكن يصعب الإجابة عن سؤال أكبر: ماذا تحقق هذه المبادرات مجتمعة؟
وجود استراتيجية أثر يساعد المؤسسة على ربط المبادرات بهدف واضح، وترتيب الأولويات، وتحديد ما يجب الاستمرار فيه وما يحتاج إلى تطوير وما قد لا يكون أولوية أصلًا.
وفي السياق السعودي، أصبح مفهوم الأثر نفسه أكثر حضورًا في العمل المؤسسي. فالمركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي نشر دليلًا إجرائيًا لمنهجية قياس الأثر الاجتماعي، كما يربط الاستثمار الاجتماعي بإحداث أثر إيجابي قابل للقياس.
هذا التحول مهم لأنه يدفع المؤسسات إلى التفكير فيما بعد النشاط والمخرجات وصولًا إلى النتائج والأثر.
ما العناصر الأساسية لاستراتيجية الأثر الاجتماعي؟
1. فهم الواقع
قبل تحديد الحلول، تحتاج المؤسسة إلى فهم القضية التي تعمل عليها.
قد يشمل ذلك تحليل البيانات، مراجعة الدراسات، إجراء المقابلات أو الاستبيانات، إشراك أصحاب العلاقة، ودراسة المبادرات القائمة.
السؤال هنا ليس: ما الذي يمكننا إطلاقه؟ بل: ما المشكلة فعلًا، وما العوامل التي تؤثر فيها؟
هذه الخطوة تقلل من احتمال تصميم مبادرة جيدة التنفيذ لكنها لا تعالج السبب الحقيقي للمشكلة.
2. تحديد طموح الأثر
بعد فهم الواقع، يجب تحديد التغيير الذي تريد المؤسسة الإسهام فيه.
طموح الأثر ينبغي أن يكون أكثر وضوحًا من عبارات عامة مثل «خدمة المجتمع» أو «تحسين جودة الحياة». والأهم هو تحديد:
- النتيجة المطلوبة،
- الفئة المستهدفة،
- مجال التغيير،
- والدور الذي تستطيع المؤسسة القيام به بصورة واقعية.
3. بناء نظرية التغيير
نظرية التغيير تشرح المنطق الذي يربط بين ما ستقوم به المؤسسة وبين النتائج التي تسعى إليها.
بصورة مبسطة: إذا قمنا بهذه التدخلات، مع هذه الفئات، وضمن هذه الظروف، فما الذي نتوقع أن يتغير؟ ولماذا؟
وجود هذا المنطق يساعد المؤسسة على اختبار افتراضاتها قبل استثمار الوقت والميزانيات في التنفيذ.
4. تحديد الأولويات
لا تستطيع أي مؤسسة معالجة كل القضايا أو خدمة جميع الفئات في الوقت نفسه. لذلك فإن جزءًا مهمًا من الاستراتيجية هو الاختيار.
يمكن تقييم الأولويات وفق عوامل مثل: حجم الحاجة، ومدى ارتباط القضية بدور المؤسسة، والقدرات المتاحة، وفرص الشراكة، وإمكانية تحقيق نتيجة ملموسة.
الاستراتيجية الجيدة لا تحدد فقط ما ستفعله المؤسسة، بل تساعد أيضًا في تحديد ما لن يكون أولوية في هذه المرحلة.
5. تصميم محفظة المبادرات
بعد تحديد النتائج والأولويات، يأتي تصميم البرامج والمبادرات. وهنا يختلف التفكير الاستراتيجي عن البدء بمبادرة جاهزة.
قد تتطلب النتيجة الواحدة مجموعة مترابطة من التدخلات بدل مشروع منفرد.
على سبيل المثال، معالجة تحدٍ سلوكي قد تتطلب مزيجًا من التوعية، وبناء القدرات، والشراكات، وتغيير رحلة المستفيد، وتحسين الوصول إلى الخدمة.
6. تحديد الأدوار والشراكات
الأثر الاجتماعي نادرًا ما تصنعه جهة واحدة بمعزل عن غيرها. لذلك ينبغي للاستراتيجية أن تجيب عن أسئلة مثل:
- ما الذي ستقوده المؤسسة بنفسها؟
- ما الذي يحتاج إلى شريك متخصص؟
- من يملك الوصول إلى الفئة المستهدفة؟
- من يمتلك البيانات أو الخبرة أو البنية التحتية اللازمة؟
- وكيف تتكامل الأدوار بدل تكرارها؟
هذه الأسئلة مهمة خصوصًا عندما تتقاطع القضية مع جهات حكومية وقطاع خاص ومؤسسات غير ربحية ومجتمعات محلية.
7. الانتقال من الاستراتيجية إلى التنفيذ
قيمة الاستراتيجية تظهر عندما تتحول إلى عمل.
لذلك يجب أن تنتهي الاستراتيجية بمسار تنفيذ واضح يحدد: الأولويات، وتسلسل المبادرات، والمسؤوليات، والشراكات، والقدرات المطلوبة، والمراحل الرئيسية.
ولا يعني ذلك أن كل شيء يجب أن يكون ثابتًا منذ اليوم الأول. يمكن للمؤسسة البدء بمبادرات محددة، التعلم منها، ثم تطوير المحفظة بناءً على ما يظهر أثناء التنفيذ.
ما الفرق بين استراتيجية الأثر وقياس الأثر؟
من المهم الفصل بين المفهومين.
استراتيجية الأثر الاجتماعي تحدد الأثر الذي تسعى المؤسسة إليه وكيف ستعمل لتحقيقه. أما قياس الأثر فيبحث في ما حدث نتيجة تلك التدخلات، وكيف يمكن تتبع النتائج وفهمها وتقييمها.
بعبارة مبسطة: الاستراتيجية تسأل: إلى أين نريد أن نصل وكيف؟ بينما: القياس يسأل: ماذا تغير بالفعل، وإلى أي مدى؟
وهما مرتبطان، لكنهما ليسا الخدمة نفسها.
ومن المفيد التفكير في القياس منذ مرحلة تصميم الاستراتيجية حتى تكون النتائج المطلوبة واضحة وقابلة للمتابعة، دون أن تتحول عملية بناء الاستراتيجية نفسها إلى مشروع قياس أو تقييم.
ما الفرق بين استراتيجية الأثر والمسؤولية الاجتماعية للشركات؟
المسؤولية الاجتماعية للشركات قد تكون أحد السياقات التي تُبنى فيها استراتيجية للأثر، لكنها ليست مرادفًا لها.
قد تنفذ شركة برامج للمسؤولية الاجتماعية في التعليم أو البيئة أو المجتمع المحلي. وجود استراتيجية أثر يساعدها على تحديد لماذا اختارت هذه المجالات، وما النتائج التي تريد تحقيقها، وكيف ترتبط المبادرات المختلفة ببعضها.
وهذا التوجه نحو تعظيم أثر المسؤولية الاجتماعية أصبح أكثر حضورًا في المملكة؛ فقد ركزت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية في الملتقى الدولي للمسؤولية الاجتماعية لعام 2026 على الانتقال بالمسؤولية الاجتماعية من الالتزام إلى تحقيق أثر ملموس وقابل للقياس.
كيف تعرف أن المؤسسة تحتاج إلى استراتيجية أثر؟
قد تكون الحاجة واضحة عندما تمتلك المؤسسة عددًا كبيرًا من المبادرات، لكن من الصعب شرح العلاقة بينها. وقد تظهر أيضًا عندما:
- تتغير المبادرات من عام إلى آخر دون إطار مستمر،
- أو يصعب تحديد الأولويات بين المقترحات،
- أو تركز التقارير على أعداد الأنشطة والمشاركين أكثر من النتائج،
- أو تعمل إدارات وشركاء مختلفون على موضوعات متقاربة دون إطار موحد.
في هذه الحالات، ليست المشكلة بالضرورة في جودة المبادرات. المشكلة قد تكون في غياب المنطق الذي يجمعها ويوجهها.
مثال: عندما يبدأ الأثر بالبحث وليس بالمبادرة
هذا المثال يوضح مبدأ أساسيًا في بناء استراتيجية الأثر: ابدأ بالأدلة وفهم المشكلة، ثم صمّم التدخل.
ومتى تتحول الاستراتيجية إلى برنامج؟
بعد تحديد الأثر والأولويات والمنطق الذي يقود إليه، تبدأ مرحلة ترجمة الاستراتيجية إلى برامج ومبادرات قابلة للتنفيذ.
وهنا يلتقي مجال استراتيجية الأثر الاجتماعي مع تصميم الاستراتيجيات والسياسات والبرامج.
الأولى تحدد بصورة أكبر ما الأثر الذي نسعى إليه ولماذا. والثانية تساعد على تحويل ذلك التوجه إلى برنامج أو مبادرة أو نموذج عمل واضح وقابل للتنفيذ.
وفي الممارسة العملية قد يمتد المشروع عبر المرحلتين، من البحث والتفكير الاستراتيجي إلى تصميم البرنامج ثم دعم تنفيذه.
ما الذي يجعل استراتيجية الأثر جيدة؟
ليست جودة الاستراتيجية في عدد الصفحات أو حجم العرض النهائي.
الاستراتيجية القوية تجعل مجموعة من القرارات أكثر وضوحًا:
إذا استطاعت المؤسسة الإجابة عن هذه الأسئلة بوضوح، تصبح المبادرات أقل تشتتًا، وتصبح الموارد والشراكات أقرب إلى الأثر الذي تسعى إليه.
من الطموح إلى مسار قابل للتنفيذ
في يُمن، نتعامل مع استراتيجية الأثر باعتبارها حلقة تربط بين البحث والاختيارات الاستراتيجية وتصميم المبادرات والتنفيذ.
نساعد المؤسسات على فهم القضية وأصحاب العلاقة، وتحديد طموح الأثر والأولويات، وبناء منطق واضح للتغيير، ثم ترجمة ذلك إلى محفظة مبادرات ومسار للتنفيذ.
تعرّف على خدمة استراتيجية الأثر الاجتماعي لدى يُمن.
المصادر والمراجع
- المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي — الدليل الإجرائي لمنهجية قياس الأثر الاجتماعي (يفتح في تبويب جديد)
- وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية — اختتام الملتقى الدولي للمسؤولية الاجتماعية في الرياض (يفتح في تبويب جديد)
